منال صالح
في اليوم الوطني السعودي، تستعيد المدن ذاكرتها بطرق
مختلفة؛ في معالمها وشوارعها وتفاصيلها التي تراكمت عبر الزمن. وفي الرياض، يضيف
الفن العام إلى هذه الذاكرة لغةً معاصرة، تحمل رؤى الفنانين السعوديين وتضعها في
قلب المشهد اليومي للعاصمة، لتلتقي دلالات الوطن بالمكان والإنسان.
ومن بين أعمال «الرياض آرت» التي تجسّد هذا المعنى، يبرز
«لمّا اكتمل القمر» للفنان السعودي زمان جاسم، في محطة قصر الحكم، إلى جانب عمل
«بدون عنوان» للفنان أحمد عنقاوي، الذي يستحضر النشيد الوطني السعودي عبر تجربة
فنية تتفاعل مباشرة مع حركة المدينة.
في منطقة قصر الحكم، إحدى أبرز مناطق الرياض التاريخية،
يحضر عمل زمان جاسم في سياق يمنحه بعدًا يتجاوز التجربة البصرية. فالمكان ارتبط
بتاريخ العاصمة السياسي والاجتماعي، وشهد مراحل مهمة من مسيرة الدولة وتطور
المدينة؛ فيما يأتي العمل المعاصر ليضيف طبقة جديدة إلى ذاكرته.
ويقدّم «لمّا اكتمل القمر»
تجربة تأملية تتكون من أقراص مضيئة وصور وأصوات، وتتناول
الزمن والذاكرة والوداع وجمال التجربة الإنسانية العابرة. ويقيم جاسم توازيًا
شعريًا بين ضوء القمر والعلاقات الإنسانية؛ فالنور الذي يمنحه الإنسان للآخرين
ويتلقاه منهم يبقى أثره حاضرًا في الذاكرة، كما يعود ضوء القمر بعد غيابه.
ويُعد زمان جاسم، من الفنانين السعوديين الذين طوروا لغة
بصرية تقوم على التجريد والرمز والنص، وتتنقل بين الرسم والخط والوسائط المختلفة،
فيما تحضر الذاكرة والهوية والبعد الروحي موضوعاتٍ متكررة في تجربته الفنية.
وعلى نحو أكثر اتصالًا بالمناسبة الوطنية، يأتي عمل أحمد
عنقاوي «بدون عنوان»، ليدمج الفن بالبنية الحضرية وحركة العبور نفسها. ويتكون
العمل من تدخلات نحتية وبنيوية، تتضمن هياكل فولاذية عمودية مستوحاة من أشكال
النخيل، تجمع بين نظام هندسي رباعي يرتبط بمكة المكرمة وآخر سداسي يرتبط بمدينة
الرياض، في حوار بصري بين هويتين محليتين داخل المملكة.
أما العنصر الأكثر ارتباطًا باليوم الوطني، فيندمج في سطح
الطريق؛ إذ تولّد تجاويف مصممة ومعايرة اهتزازات موسيقية عند مرور المركبات فوقها،
لتنتج مقطوعة النشيد الوطني السعودي، فيتحول مرور الناس اليومي إلى جزء من
التجربة الفنية، ويصبح صوت الوطن حاضرًا في إيقاع المدينة نفسها.
ويستند عنقاوي، في ممارسته إلى الهندسة والحرف التقليدية
والموروث الثقافي للحجاز، ويعيد تقديمها من خلال لغة معاصرة تربط التصميم والفن
والفضاء العام.
وبين عمل يستحضر الذاكرة في قلب الرياض التاريخي، وآخر
يجعل النشيد الوطني جزءًا من حركة العاصمة، تتقاطع تجربتا الفنانين في تقديم قراءة
سعودية معاصرة للانتماء؛ قراءة لا تعزل الفن عن المدينة، بل تضعه بين الناس وفي
مسارات حياتهم اليومية.
وفي اليوم الوطني، تكتسب هذه الأعمال دلالةً إضافية؛ إذ
يصبح الفن وسيلةً لاستحضار الذاكرة والتعبير عن الهوية، فيما تمضي الرياض نحو
مستقبلها وهي تحمل تاريخها معها، وتفتح في فضاءاتها العامة مجالًا لأجيال من
الفنانين السعوديين ليضيفوا إلى قصة المدينة فصولًا جديدة.





-large.jpg)





كن أول من يشارك رأيه
ابدأ النقاش حول هذه القصة.